المبشر بن فاتك
202
مختار الحكم ومحاسن الكلم
أنها رغبة ، وادفعوا المذمومات لانقباض الناس أجمعين عنها . اعتبروا بمن مضى من خياركم وملوككم ، وارجوا الغرض الذي قصدوا إليه . الحق واضح ، والصواب بيّن . والتّقى معروف ، والأنفة ظاهرة ، والمروءة مكشوفة ، والعدل فضيلة محمودة . ما أبين سمة المذمومات ، وما أظهر المعيبات « 1 » ! أخبركم حقا أنى أجد من السرور ببغضى الذهب والفضة ما لم أكن [ 46 ب ] أجده من اللذة في تزيّد مالي منهما ، بل كانت الغموم متزايدة واردة بلا « 2 » انقطاع للاهتمام بذلك ، وإنما أتزيد في سرور الحكمة ومنالها . الدليل على أن الذهب والفضة وما أشبههما لا فضيلة في شئ منها لأنّا نجد قوما يبتاعون بالذهب الكثير القليل من العظام التي هي العاج ، وقوما يستبدلون به النحاس وما دونه من الزجاج وغيره . فلو كان الذهب فضيلة في نفسه لكان في كل المواضع مرغوبا فيه ، كما أن الحكمة في جميع الأقطار ممدوحة ، والجهل مذموم في جميع الآفاق وعند كل الناس . انظروا لأنفسكم وحاموا على مراتبكم . تزيّنوا بالعدل ؛ والبسوا أثواب العفّة - تفلحوا وتحمدوا أمركم . وقال « 3 » أفلاطون : للعادة على كل شئ سلطان . وقال : سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الصّبر العسل . وقال « 3 » : إذا هرب الحكيم من الناس فاطلبوه ؛ فإذا طلبهم فاهرب منه . ورأى رجلا يكثر الكلام ويقلّ الاستماع فقال له : يا هذا ! أنصف أذنيك من فيك ، فإن الخالق سبحانه وتعالى إنما جعل لنا أذنين ولسانا واحدا لنسمع ضعف ما نتكلم . وقال : من شكركم على غير معروف وبرّ فعاجلوه بهما ؛ وإلّا انعكس الشكر فصار ذمّا .
--> ( 1 ) ب : المعنيات . - أي الأشياء المعيبة ، القبيحة . ( 2 ) ح : بالانقطاع . ( 3 ) ورد في ع ( ج 1 ص 51 )